أحمد بن محمد المقري التلمساني

21

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

حامية ، يصاحبونه « 1 » بأوجه خلت عن الوجاهة سيماها الحسد ، وضميرها السخط بما قدره الواحد الصمد : [ الوافر ] فخرّ على الألاءة لم يوسّد * كأنّ جبينه سيف صقيل « 2 » فيا للّه من أشلاء هنالك ضائعة ، وأعلاق غير مصونة ، ووسائل مخفورة ، وأذمّة قطعت أرحامها ، ولم يرع ذمامها ، وعاثت الأيدي الفاتكة حينئذ على بنيه ، وارتكبوها شنعاء في أهله وذويه : [ البسيط ] هل كان إلّا حيا تحيا العباد به ؟ * هل كان إلّا قذى في عين ذي عور « 3 » إن قال قولا ترى الأبصار خاشعة * لما يخبّر من وحي ومن أثر يا لهف قلبي لو قد كنت حاضره * غداة جرّعه أدهى من الصّبر لما تركت له شلوا بمضيعة * ولا تولّى صريع الناب والظّفر « وكان ما كان ممّا لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر » وإن سأل سائل عن الخبر الذي ألمعنا بذكره ، وضمّنّا هذا البيت رزأ من فظيع أمره ، فذلك عندما نسب صاحب الأمر إليه ما راب ، وتلّه « 4 » وابنيه للجبين معفّرين بالتراب ، وصدمه في جنح الليل والمصحف بين يديه يتوسّل بآياته ، ويتشفّع بعظيم بركاته ، فأخذته السيوف ، وتعاورته الحتوف « 5 » ، وأذهبه سليبا قتيلا ، مصيّرا مصراع منزله كثيبا مهيلا ، وكنّا على بعد من هذه الآزفة التي أورثت القلوب شجنا طويلا ، وذكرتنا بعناية مولانا الجد الغني بالله لجانبه أعظم ذكرا ، فأغرينا برثائه خلدا وفكرا ، وارتجلنا عند ذكره الآن هذه الأبيات إشارة مقنعة ، وكناية في السلوان مطمعة ، وأرضينا بالشفقة أودّاءه ، وأرغمنا بتأبينه أعداءه ، ولما تبلج الصبح لذي عينين ، وتلقّينا راية الفرج بالراحتين ، عطفتنا على أبنائه عواطف الشفقة ، وأطلقنا لهم ما عاثت الأيدي عليه صلة لرحم طالما أضاعها من جهل الأذمّة ، وأخفر عهود تخدّمه لمن سلف من الأئمة ، وصرفنا للبحث والتفتيش وجوه آمالنا ، وجعلنا ضمّ ما نثرته الحوادث من منظوماته من أكيد أعمالنا ، وكان تعلّق بمحفوظنا جملة وافرة من كلامه ، مشتملة على ما راق وحسن من

--> ( 1 ) في ب : « يصابحونه » . ( 2 ) الألاءة : واحدة الألاء ، وهو شجر دائم الخضرة له ثمر مر . ( 3 ) الحيا : المطر . ( 4 ) تله للجبين : أوقعه على وجهه . ( 5 ) تعاورته : تداولته . والحتوف : جمع حتف ، وهو الموت والهلاك .